سيد قطب

116

في ظلال القرآن

مستهتر بها . . إبراهيم الذي اصطفاه ربه في الدنيا إماما ، وشهد له في الآخرة بإصلاح . . اصطفاه « إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ » . . فلم يتلكأ ، ولم يرتب ، ولم ينحرف ، واستجاب فور تلقي الأمر . « قالَ : أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ » . . 132 - هذه هي ملة إبراهيم . . الإسلام الخالص الصريح . . ولم يكتف إبراهيم بنفسه إنما تركها في عقبه ، وجعلها وصيته في ذريته ، ووصى بها إبراهيم بنيه كما وصى بها يعقوب بنيه . ويعقوب هو إسرائيل الذي ينتسبون إليه ، ثم لا يلبون وصيته ، ووصية جده وجدهم إبراهيم ! ولقد ذكر كل من إبراهيم ويعقوب بنيه بنعمة اللّه عليهم في اختياره الدين لهم : « يا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ » . . فهو من اختيار اللّه . فلا اختيار لهم بعده ولا اتجاه . وأقل ما توجبه رعاية اللّه لهم ، وفضل اللّه عليهم ، هو الشكر على نعمة اختياره واصطفائه ، والحرص على ما اختاره لهم ، والاجتهاد في ألا يتركوا هذه الأرض إلا وهذه الأمانة محفوظة فيهم : « فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ » . . وها هي ذي الفرصة سانحة ، فقد جاءهم الرسول الذي يدعوهم إلى الإسلام ، وهو ثمرة الدعوة التي دعاها أبوهم إبراهيم . . 133 - تلك كانت وصية إبراهيم لبنيه ووصية يعقوب لبنيه . . الوصية التي كررها يعقوب في آخر لحظة من لحظات حياته ؛ والتي كانت شغله الشاغل الذي لم يصرفه عنه الموت وسكراته ، فليسمعها بنو إسرائيل : « أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ . إِذْ قالَ لِبَنِيهِ : ما تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي ؟ قالُوا نَعْبُدُ إِلهَكَ وَإِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ إِلهاً واحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ » . . إن هذا المشهد بين يعقوب وبنيه في لحظة الموت والاحتضار لمشهد عظيم الدلالة ، قوي الإيحاء ، عميق التأثير . . ميت يحتضر . فما هي القضية التي تشغل باله في ساعة الاحتضار ؟ ما هو الشاغل الذي يعني خاطره وهو في سكرات الموت ؟ ما هو الأمر الجلل الذي يريد أن يطمئن عليه ويستوثق منه ؟ ما هي التركة التي يريد أن يخلفها لأبنائه ويحرص على سلامة وصولها إليهم فيسلمها لهم في محضر ، يسجل فيه كل التفصيلات ؟ . . إنها العقيدة . . هي التركة . وهي الذخر . وهي القضية الكبرى ، وهي الشغل الشاغل ، وهي الأمر الجلل ، الذي لا تشغل عنه سكرات الموت وصرعاته : « ما تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي ؟ » . . هذا هو الأمر الذي جمعتكم من أجله . وهذه هي القضية التي أردت الاطمئنان عليها . وهذه هي الأمانة والذخر والتراث . . « قالُوا : نَعْبُدُ إِلهَكَ وَإِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ . إِلهاً واحِداً . وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ » . . إنهم يعرفون دينهم ويذكرونه . إنهم يتسلمون التراث ويصونونه . إنهم يطمئنون الوالد المحتضر ويريحونه . وكذلك ظلت وصية إبراهيم لبنيه مرعية في أبناء يعقوب . وكذلك هم ينصون نصا صريحا على أنهم « مُسْلِمُونَ » .